توحيدة بالشيخ: رائدة الطب التونسي وأيقونة نضال المرأة

في سجلّ التاريخ التونسي الحديث، تبرز أسماء نسائية صنعت الفارق وغيّرت مجرى الواقع الاجتماعي، ومن بين هذه القامات الشامخة تلمع الدكتورة توحيدة بن الشيخ كواحدة من أبرز الشخصيات التي كسرت الحواجز وفتحت الأبواب أمام أجيال من النساء.

النشأة والبدايات

وُلدت توحيدة بالشيخ يوم 2 جانفي 1909 في تونس، في فترة كان فيها تعليم الفتيات محدوداً للغاية. ورغم التحديات الاجتماعية السائدة آنذاك، أظهرت نبوغاً مبكراً وإصراراً كبيراً على مواصلة تعليمها.

تحصلت على شهادة البكالوريا سنة 1928، لتكون من بين أوائل الفتيات التونسيات اللواتي بلغن هذا المستوى العلمي، وهو إنجاز استثنائي في ذلك الوقت.

رحلة العلم والتحدي

بدعم من والدتها، قررت السفر إلى فرنسا لمواصلة دراسة الطب، في خطوة جريئة لم تكن مألوفة للنساء آنذاك. التحقت بكلية الطب في باريس، وتمكنت سنة 1936 من الحصول على شهادة الدكتوراه، لتعود إلى تونس كأول طبيبة في تاريخ البلاد والمغرب العربي.

مسيرة مهنية إنسانية

بعد عودتها، افتتحت عيادتها الخاصة، وكرّست حياتها لخدمة المرضى، خاصة النساء والأطفال. اختارت التخصص في طب النساء والتوليد وطب الأطفال، إدراكاً منها لحاجة المجتمع التونسي إلى هذا النوع من الرعاية الصحية.

تحوّلت عيادتها إلى ملاذ آمن للنساء، لا سيما من الفئات الهشة، حيث كانت تقدّم العلاج والرعاية بكل إنسانية. كما ساهمت في تأسيس جمعيات اجتماعية تُعنى بالأيتام والمحتاجين، مما عزّز دورها كطبيبة وإنسانة في آنٍ واحد.

{inAds}

ريادة في التنظيم العائلي

في ستينات القرن الماضي، لعبت توحيدة بالشيخ دوراً محورياً في إطلاق سياسة التنظيم العائلي في تونس. وفي سنة 1963، ساهمت في إنشاء أول مركز مختص في هذا المجال، وأسهمت جهودها في تمكين المرأة التونسية من حقها في التخطيط الأسري، وهو إنجاز اجتماعي وصحي كبير.

تكريم وإرث خالد

توفيت الدكتورة توحيدة بالشيخ يوم 6 ديسمبر 2010 عن عمر ناهز 101 سنة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات.

وفي خطوة تكريمية غير مسبوقة، قام البنك المركزي التونسي سنة 2020 بوضع صورتها على الورقة النقدية من فئة 10 دنانير، لتصبح أول امرأة تونسية وعربية تُخلّد على عملة حديثة.

تأثيرها في المجتمع

لم تكن توحيدة بالشيخ مجرد طبيبة، بل كانت رمزاً للتحرر والتقدم، ومثالاً يُحتذى به في الإصرار على تحقيق الأحلام رغم الصعوبات.

لقد ساهمت في تغيير نظرة المجتمع لدور المرأة، وفتحت الطريق أمام النساء لدخول مجالات كانت حكراً على الرجال.

خاتمة

تظلّ سيرة توحيدة بالشيخ مصدر إلهام لكل الأجيال، ودليلاً على أن الإرادة والعلم قادران على كسر كل القيود. إنها ليست فقط أول طبيبة في تونس، بل قصة نجاح وطنية تُجسّد قوة المرأة التونسية وقدرتها على صنع التاريخ.

أحدث أقدم